الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
328
الأخلاق في القرآن
وبناءً على ذلك ، فإنّ الآيات والرّوايات أكّدت على هذه الضّرورة ، وهي مسألة التولّي والتّبرّي ، وإتّخاذ أولياء اللَّه قدوةً واسوةً حسنةً ، وبدونها ستبقى برامج التّربية والتّهذيب ، ناقصةُ الُمحتوى والمُضمون . قصّة موسى والخَضر عليهما السلام : إتّخاذُ المعلّم والدّليل ، في طريق السّير والسّلوك إلى اللَّه تعالى ، من الأهميّة بمكانٍ ، بحيث أُمِرَ بَعض الأنبياء ، في بُرهةٍ من الزّمن ، للحُضورَ عند الأستاذ أو المُرشد . ومن ذلك قصّة موسى عليهما السلام والخضر ، المليئة بالمفاهيم والمضامين العميقة ، والتي وَردت في سَورة الكهف ، من القرآن المجيد . فقد امِرَ موسى عليه السلام ، لأجل إسترفاد بعض العلوم ، التي تحمل الجانب العملي والأخلاقي أكثر من الجانب النّظري ، أُمِرَ بالذّهاب إلى عالم زمانه ، لِيَستقي منه العِلم ، وقد عرّفه القرآن الكريم ، بأنّه : « عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً » . فشدّ موسى عليه السلام ، الرّحال فعلًا مع أحد أصحابه ، متّجهاً نحو المكان الذي يتواجد فيه الخِضر عليه السلام ، ومع غَضّ النّظر عَمّا صادفاه في الطّريق إليه ، وَصل مُوسى عليه السلام إلى المكان الموعود ، فقال له الخِضر عليه السلام ، : « إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً » ، ولكنّ موسى عليه السلام وعده بالصّبر . توالت الأحداث الثّلاثة ، واحدة بعد الأخرى ، المعروفة والواردة في القرآن الكريم : أولها خَرق السّفينة الّتي كانوا عليها ، فإعترض موسى عليه السلام ، وذكّره بخَطر الغَرق لِلسفينة بِمن فيها ، فقال له الخِضر : « أَ لَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً » فندم واختار عليه السلام السّكوت ، حتى يوضّح له ملابسات الأمر . ولَم يَمض قليلًا ، حتى صادفوا صَبيّاً فقتله ، الخِضر عليه السلام مباشرةً من دونِ توضيحٍ ودليلٍ ، فهذا الأمرُ المُريع أثارَ موسى عليه السلام مرّةً أخرى ، ونسِيَ ما تَعهّد به ، واعترض على أستاذه بأشدّ من الّتي قَبلها ، فقال : « أَ قَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً » . ولِلمرّة الثّانية ، ذكّر الخِضر موسى عليه السلام بالعهد الذي قطعه على نفسه ، وقال له : إذا تكرّر